أحمد مصطفى المراغي

7

تفسير المراغي

بدينه وسيرته حجة عليه ، بأنه ليس من أمته التي وصفها اللّه في كتابه بقوله : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » وبذلك يخرج من الوسط ويكون في أحد الطرفين . ( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ) أي وما جعلنا القبلة فيما مضى هي الجهة التي كنت عليها إلى اليوم ، ثم أمرناك بالتحول عنها إلى الكعبة إلا ليتبين الثابت على إيمانه ممن لا ثبات له ، فهو عرضة لرياح الشبهات ، تطير به وتغدو وتروح . والخلاصة - إن اللّه يختبر المؤمنين بما يظهر به صدق الصادقين ، وريب المرتابين ، فيثبت من فقه الدين وعرف سره وحكمته ، وتتخطف الشبهات والشكوك من أخذ الدين تقليدا من غير فقه ولا عرفان ، وهكذا سبحانه يختبر ما في القلوب بما يبتلى به الناس من الفتن كما قال : « أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » . وقد جاء في الكتاب الكريم ( لنعلم - وليعلم ) وعلم اللّه تعالى قديم لا يتجدد ، ومن ثم قال العلماء : المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع ، ذاك أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع ، ويعلمها بعد وقوعها أنها وقعت ، ويترتب على ذلك الجزاء من ثواب وعقاب . ( وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) أي وكانت القبلة المحوّلة شاقة ثقيلة على من ألف التوجه إلى القبلة الأولى ، فإن الإنسان ألوف لما يتعوده ويثقل عليه الانتقال منه ، إلا على الذين هداهم اللّه بمعرفة أحكام دينه وسر تشريعه ، فعلموا أن التعبد باستقبالها إنما يكون بطاعة اللّه بها ، لا بسرّ في ذاتها أو مكانها ، وأن الحكمة في اختيار قبلة ما ، هو اجتماع الأمة عليها ، وهو من أسباب اتحادهم وجمع كلمتهم .